اعتمد المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وثيقة مسقط لقواعد حماية الطفل خلال مرحلة التحقيق في دول الخليج، وذلك التزامًا بما أرسته الشريعة الإسلامية من مبادئ إنسانية توجب مراعاة مصلحة الطفل وتنشئته على الثوابت الدينية والأخلاق الحميدة، واسترشادًا بما نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات والمعاهدات الدولية.
لا يجوز لغير المختصين الاطلاع على إجراءات التحقيق
وتتضمّن وثيقة مسقط مجموعة من القواعد الحاكمة لحماية الطفل خلال مرحلة التحقيق، وتشمل رفع مستوى الحماية بصفة دورية، حيث تتبنّى دول المجلس للقواعد بصفة إلزامية في تشريعاتها الوطنية وفقًا لإجراءاتها الدستورية، وتوفير الموارد البشرية العاملة بالتشريعات المتعلقة، على أن لا تخل هذه القواعد بأي تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمّن أحكامًا ذات تطبيق أشمل، حيث يتمتع الطفل بجميع الحقوق المقررة بموجب التشريعات والقوانين والأنظمة المحلية، وحمايته واجبة دون تمييز بسبب جنسه أو لونه أو عرقه أو دينه أو وطنه أو أي عقيدة دينية أو مركزه الاجتماعي.
وتشمل القواعد كذلك أن تكون حماية الطفل ومصلحته الفضلى أولوية في كافة القرارات والإجراءات التي تتخذ في شأنه، وللطفل الأولوية للتمتع بالحماية والرعاية والأمان من أي جريمة ترتكب ضده، ولا يجوز لغير المختصين الاطلاع على إجراءات التحقيق مع الأطفال، إلا بإذن كتابي من عضو النيابة المختص، ويحظر نشر أو بث المعلومات أو البيانات الشخصية المتعلقة بالأطفال، ويجب أثناء مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق مراعاة الحالة الإدراكية والنفسية والجسدية للطفل على نحو يضمن سلامته، وعدم تعريضه لأي أذى.
كما يُحظر أثناء التحقيق مع الطفل استخدام أساليب الترهيب والإكراه والإغراء أو أي وسيلة أخرى غير مشروعة في سبيل الحصول على اعترافات أو أقوال لا إرادية، وإجراء التحقيق مع الطفل بحضور ولي أمره أو من يقوم مقامه أو من تثق به، ضمانًا لسلامته النفسية، وتقليص فترة التحقيق مع الطفل وإنجازه في جلسة تحقيق واحدة أو في أوقات مناسبة من اليوم كلما أمكن ذلك، وإحاطة الطفل ووالديه أو من يتولى رعايته، قبل مباشرة التحقيق معه، بحقوقه القانونية وكافة حقوقه أثناء التحقيق والمحاكمة، مع الإفصاح للطفل الجانح قبل مباشرة التحقيق معه عن كافة التهم المنسوبة إليه وعقوبتها بلغة مفهومة ومناسبة لمستوى إدراكه وفهمه،وإثبات كافة أقواله ودفوعه وطلباته بمحضر التحقيق كما أبداه وفق مستوى إدراكه وفهمه، واحترام حقه في الصمت وعدم إجباره على الإدلاء بأقواله، والاستعانة باختصاصي اجتماعي أو مختص من ذوي الخبرة، والانتهاء من التحقيق أو التقاضي في أجل معقول دون تأخير، وبما لا يتعارض مع مصلحة الطفل ويحقق متطلبات العدالة.
وتنص قواعد وثيقة مسقط أيضًا على أنه إذا لم يتحدث الطفل باللغة العربية أو اللغة المستخدمة، أو كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، فيجب الاستعانة بمترجم أو أحد الخبراء المختصين بحالته لمساعدته على الفهم والاستيعاب مجانًا، ويُسمح له الاستعانة بمحامٍ للدفاع عنه، وله الحق في المساعدة القانونية خلال مرحلة التحقيق، كما يُراعى عرض الطفل على مراكز الطب الشرعي أو النفسي كلما اقتضت مصلحته أو مصلحة التحقيق ذلك، ويجب في كل الأحوال إحالة الطفل الجانح إلى أخصائي اجتماعي ونفسي لدراسة سلوكه وإعداد تقرير مفصل عن حالته وسلوكه والتوصية اللازمة في شأنه، وتمكين ولي الطفل أو الوصي عليه أو من يتولى رعايته من حضور جلسات التحقيق ما لم تتطلب مصلحة التحقيق خلاف ذلك، وللطفل التواصل مع ذويه في أي وقت، ويتعين إبلاغهم بكافة الإجراءات المتخذة والنتائج التي تسفر عنها التحقيقات دون الإخلال بالضوابط التي تقررها سلطة التحقيق في هذا الشأن.
كما يجب تبليغ ذوي الطفل بكل إجراء توجبه الأنظمة والقوانين إبلاغه إلى الطفل، وكل حكم يصدر في شأنه، مع إبلاغه بمصلحة الطفل وفقًا للسن الذي بلغه، ويجوز تسجيل التحقيقات مع الطفل سمعيًا ومرئيًا، ويجوز إجراؤها عن بُعد باستخدام وسائل تقنية المعلومات أو أدوات الاتصال الحديثة، بما يتناسب مع حالة الطفل، وذلك وفقًا لما تقتضيه مصلحة التحقيق، وذلك دون الإخلال بضمان عدم تعرضه للإيذاء أو التأثير عليه أو التأخر في اتخاذ أي إجراءات مستقبلية، ويراعى أثناء التحقيق مع الطفل الجانح تسليمه إلى من يتولى رعايته، أو إلى أي شخص آخر مؤتمن، أو إيداعه في جهات الرعاية المختصة أو ملاحظته، أو إيداعه في مراكز الإيواء أو العلاج بحسب حالته، وبما يحقق مصلحته، وذلك إلى حين الفصل في الدعوى، وفي الحالات التي يُحتجز فيها الطفل الجانح أو يُحبس على ذمة التحقيق، فيتعين دراسة الأبعاد والآثار النفسية والجسدية لهذا الإجراء، ومراعاة اتخاذه في حدود مصلحة الطفل ومصلحة التحقيق وبما لا يتعارض مع أي منهما.
ويُراعى في أماكن الاحتجاز أو التوقيف أو السجون المخصصة للأطفال الجانحين أن تكون متوافقة مع طبيعتهم العمرية، وتضمن بيئة مناسبة تحفظ كرامتهم الإنسانية، فضلًا عن توفير الرعاية الصحية والنفسية، وأن تكون معزولة عن سجون البالغين، وويجب على أعضاء النيابات العامة والادعاء العام المختصين تفتيش هذه الأماكن بشكل دوري للتحقق من الالتزام بالاشتراطات والضوابط المتعلقة برعاية الأطفال الموقوفين، وسماع إفاداتهم، وتلقي أي شكاوى أو مطالبات بشأن أوضاعهم، وإعداد التقارير اللازمة متضمنة ملاحظاتهم وتوصياتهم، والعمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، وذلك لضمان سلامة الأطفال الموقوفين نفسيًا وجسديًا، وينبغي إنشاء وحدات متخصصة تتكون من أشخاص أو كوادر وظيفية مدرّبة تدريبًا مناسبًا للتعامل مع الأطفال الجانحين، لتلقّي البلاغات وإجراء البحث والتحري وجمع الاستدلالات في أي انتهاكات خاصة بالأطفال وحقوقهم، وذلك بالتعاون مع الجهات المعنية.
إقرار برامج الإصلاح والتأهيل
وتختص هذه الوحدات المذكورة أو جهات التحقيق المختصة بالتحقيق في أي خطر يهدد الطفل أو سلامته أو صحته البدنية أو النفسية، وتشكل فرق عمل من عدد كافٍ من الأعضاء المؤهلين للقيام بأعمال التحقيق والتصرف في الدعاوى المتعلقة بهم، ويجب أن يتم التحقيق مع الطفل بما لا يتعارض مع مصلحته الفضلى، وبما يحقق مقتضيات العدالة، ويُحظر بأي حال من الأحوال الكشف عن هويته بما لا يتناسب مع مصلحته أو مصلحة التحقيق، كما يجب على أعضاء النيابات العامة والادعاء العام المختصين الإشراف على تلك الوحدات ومراعاة حسن معاملة الأطفال وضمان سرية المعلومات المتعلقة بهم، كما يجوز تقدّم الخاضعين للقواعد المهنية بالإبلاغ عن أي خطر يهدد الطفل أو سلامته أو صحته البدنية أو النفسية أو الأخلاقية أو السلوكية.
ويُراعى العمل على تحصين مستقبل الأطفال الجانحين من خلال تفعيل الممارسات البديلة للمحاكمات القضائية، عبر إقرار نظام خاص بالأطفال الجانحين وفق اشتراطات وضوابط محددة عبر إقرار برامج الإصلاح والتأهيل، ويُخضع الطفل الجانح للإجراءات الإدارية والتوجيهية والخدمات الاجتماعية وبرامج التأهيل والتدريب لدى الوحدات المختصة بالطفل، بدلًا من الخضوع للإجراءات القضائية في القضايا البسيطة، ويتعين على أعضاء النيابات العامة والادعاء العام وأطراف الدعوى والجهات المختصة، تنمية قدراتهم المهنية اللازمة للتعامل مع الأطفال خلال مرحلة التحقيق، مع إعداد وتطوير الإحصاءات السنوية والدراسات المتعلقة بالأطفال الجانحين، بما يساهم في فهم أسباب الجريمة المرتكبة من الأطفال، والوقوف على عواملها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ووضع الخطط اللازمة للحد منها.
ويُعرَّف الطفل الجانح، أو ما يُعرف نظامًا بـ“الحدث”، بأنه كل من لم يُكمل الثامنة عشرة من عمره وارتكب فعلًا يُعد جريمة شرعًا أو نظامًا، ويعتمد التعامل معه على نهج إصلاحي يوازن بين المساءلة والحماية، حيث تُراعي الأنظمة خصوصية هذه الفئة العمرية، وتُخضعها لإجراءات قضائية واجتماعية مختلفة عن البالغين.