في الرابعة عشرة من عمرها، لم تكن أم فهد تدرك أن تلك الغرزة الأولى التي وضعتها بجانب والدتها ستكون هي ذاتها تذكرتها العابرة للقارات؛ فبينما كانت خيارات الدراسة والعمل محدودة أمام فتيات جيلها، كان السدو يغزل لها مستقبلاً لم يخذلها قط.

وتحكي أم فهد بابتسامة يملؤها الاعتزاز عن تلك البدايات التي لم تكن مجرد واجب يومي، بل مدرسة أولى زرعت فيها والدتها بذور الشغف والدقة، حتى تحولت الحرفة مع مرور الوقت من مجرد التزام منزلي إلى هواية تسكن الروح، لتقول بلسان الحرفي الواثق: "صارت عندي هواية، ويوم إني بغيتها.. لقيتها".

ولم يكن السدو في نظر أم فهد مجرد زينة عابرة، بل كان عصب البيت السعودي وهويته؛ فمن تلك الخيوط كانت تحاك تفاصيل الحياة، بدءاً من المحجر والرواق والذرا، وصولاً إلى بناء بيوت الشعر بالكامل، وهو ما جعل طموحها لا يتوقف عند حدود الحرفة التقليدية، بل طار بها إلى منصات التتويج العالمية.

وانطلقت الحكاية من قلب "سوق عكاظ" حين حصدت المركزين الأول والثاني، لتفتح لها هذه الخطوة أبواب تمثيل المملكة عبر هيئة التراث في محافل دولية كبرى، من إيطاليا إلى إكسبو دبي ومهرجان الشيخ زايد، وصولاً إلى حضورها اللافت في إكسبو اليابان، معبرة عن فخرها بهذا المشوار بقولها: "هذا العمل ليس صعباً علي، فقد اعتدت عليه منذ طفولتي، واليوم أشعر بالفخر لأن هذه الحرفة هي التي (بيضت وجهي) ومنحتني الدافع للإبداع في كل مكان أصل إليه".

وبنبرة الأم الحريصة التي لا تخلو من توجيه، تلتفت أم فهد لفتيات اليوم اللاتي يشتكين من قلة الفرص، داعية إياهن إلى كسر قيود الانتظار بالاعتماد على الذات، حيث تؤمن بأن العمل اليدوي—سواء في الطبخ أو الأشغال اليدوية—هو السند الحقيقي والاستقلال المادي الأضمن، مؤكدة أن من تتقن الحرفة وتتعامل مع الصوف الأصلي، فهي تملك كنزاً حقيقياً بين يديها لا يجب أن تفرط فيه.

هذه الرحلة التي خاضتها أم فهد ليست مجرد تقرير عن مهنة قديمة، بل هي قصة روح أصيلة جعلت من خيوط السدو لغة عالمية تروي أصالة الماضي وطموح الغد، وتذكرنا بأن التراث ليس قطعاً صامتة تعرض في المتاحف، بل هو كيان حي يتنفس وينمو ويسافر عبر القارات، ليحكي للعالم قصة وطن يحاك بكل حب.. غرزة تلو الأخرى.