تواصل وزارة التعليم في المملكة تطوير البيئة التعليمية من خلال تحديث لوائح وقواعد السلوك والمواظبة لطلاب وطالبات التعليم العام؛ بهدف تعزيز الانضباط المدرسي، وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية، وبناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي داخل المجتمع المدرسي وخارجه.
وأقرت الوزارة الإصدار الخامس من قواعد السلوك والمواظبة لعام 1447هـ، متضمنًا عددًا من الإجراءات التنظيمية والتربوية التي تضبط سلوك الطلاب وتعزز الالتزام بالحضور والانضباط، بما يواكب مستجدات التعليم الحضوري والتعليم الإلكتروني.
وتأتي هذه الخطوة استكمالًا لجهود الوزارة التي أسهمت في خفض معدلات الغياب بدون عذر بنسبة تجاوزت 18% خلال العامين الماضيين، وفق بيانات مركز إحصاءات التعليم.
ويمثل هذا الإصدار آلية تربوية متطورة تهدف إلى إيجاد بيئة تعليمية آمنة وجاذبة، تواكب مستجدات التعليم الحضوري والرقمي، وتعزز العلاقة التشاركية بين المدرسة والأسرة.
أهداف قواعد السلوك والمواظبة
تهدف اللائحة إلى إيجاد بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، عبر مجموعة من الأهداف أبرزها، ترسيخ المبادئ الإسلامية والقيم الوطنية، وتعزيز السلوك الإيجابي والانضباط المدرسي، والحد من المشكلات السلوكية داخل المدارس والمنصات الرقمية.
كما تهدف اللائحة إلى الحد من الظواهر السلبية كالتنمر والتحرش والمخالفات الجسيمة عبر إجراءات رادعة وتقويمية، ورفع مستوى الالتزام بالحضور والمواظبة، وتعزيز العلاقة التربوية بين الطالب والمعلم والأسرة، ويأتي ذلك انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في محور "مجتمع حيوي" الذي يركز على بناء شخصية الطالب وتعزيز القيم الوطنية، إضافة لبرنامج تنمية القدرات البشرية.
وأكدت الوزارة أن الطالب يمثل الثروة الحقيقية للوطن؛ لذلك ركزت القواعد الجديدة على بناء الشخصية المتوازنة فكريًا وسلوكيًا، مع توفير بيئة تعليمية داعمة ومحفزة.
نظام المواظبة والحضور الدراسي
تضمنت اللائحة نظامًا واضحًا للغياب والحضور، حيث يتم حسم درجة واحدة من درجات المواظبة عن كل يوم غياب دون عذر، ومنح 6 درجات إضافية للطلاب المنتظمين دراسيًا طوال الفصل، وتقليل درجات المشاركة للطالب المتغيب بدون عذر، واتخاذ إجراءات تصعيدية عند تكرار الغياب، قد تصل إلى الحرمان من الانتقال للعام الدراسي التالي وفق الأنظمة المعتمدة، فعلى سبيل المثال، الطالب الذي يتغيب 5 أيام دون عذر يفقد 5 درجات، بينما الطالب المنتظم يحصل على 6 درجات تحفيزية تعادل تعويض غياب 6 أيام بعذر.
كما شددت القواعد على ضرورة تقديم أعذار رسمية للحالات المرضية أو الطارئة، مع تسجيل الغياب بعذر دون التأثير على درجات السلوك.
تصنيف المخالفات السلوكية
قسمت اللائحة المخالفات السلوكية إلى عدة درجات وفق خطورتها، مع تحديد إجراءات تربوية لكل مستوى.
مخالفات الدرجة الأولى
تشمل المخالفات البسيطة مثل، التأخر الصباحي المتكرر، وعدم الالتزام بالزي المدرسي، والنوم داخل الفصل، والخروج من الفصل دون إذن، ويتم التعامل معها عبر التوجيه الشفهي والتنبيه وإشعار ولي الأمر.
مخالفات الدرجة الثانية
تتضمن المشاجرات والعراك الجماعي، واستخدام الألفاظ النابية، والهروب من الحصص الدراسية، والعبث بممتلكات المدرسة أو الحافلات، أو سرقة ممتلكات الزملاء، وتشمل الإجراءات استدعاء ولي الأمر، وإلزام الطالب بإصلاح ما أتلفه، مع حسم درجتين من درجات السلوك.
مخالفات الدرجة الثالثة
وتُعد من المخالفات الجسيمة، مثل، الاعتداء الجسدي على الزملاء أو المعلمين، والتنمر المتكرر، واستخدام المواد الخطرة والألعاب النارية، وتصوير الآخرين دون إذن، ونشر مواد غير أخلاقية داخل المدرسة، وقد تصل العقوبات إلى نقل الطالب لمدرسة أخرى أو تحويله للجنة التوجيه الطلابي، مع حسم 3 درجات سلوكية.
وتتولى لجان التوجيه الطلابي في المدارس تنفيذ برامج تعديل السلوك التي أثبتت فاعليتها في خفض تكرار المخالفات الجسيمة بنسبة 32% في المدارس المطبقة لها العام الماضي.
مخالفات الدرجة الرابعة
وهي المخالفات الأخطر وتشمل، التحرش الجنسي، وإشعال الحرائق داخل المدرسة، والاعتداء الجسدي الشديد، وتزوير الوثائق الرسمية، وتهديد أمن وسلامة المدرسة، ويتم التعامل معها عبر إحالة الطالب للجهات المختصة، ونقله إداريًا، وحسم 10 درجات من السلوك.
السلوك الرقمي والتعليم عن بعد
واكبت اللائحة التحول الرقمي في التعليم، حيث خصصت فصلًا كاملًا لآداب السلوك الرقمي داخل المنصات التعليمية، ومن أبرز الضوابط، احترام الخصوصية الرقمية للمنسوبين والزملاء وعدم الإساءة للآخرين إلكترونيًا، والالتزام بأوقات الدروس الافتراضية، ومنع انتحال الشخصيات أو مشاركة الروابط المشبوهة داخل الفصول الافتراضية، وحظر تصوير الدروس أو تسجيلها دون إذن.
ويأتي هذا الضابط بعد رصد الوزارة أكثر من 1200 حالة إساءة استخدام للمنصات التعليمية خلال العام الدراسي 1446هـ؛ ما استدعى تنظيمًا أكثر دقة للسلوك الرقمي، كما تضمنت القواعد إجراءات تأديبية للمخالفات الرقمية، تبدأ بالتحذير وتصل إلى الحرمان المؤقت من بعض الأنشطة الإلكترونية.
درجات السلوك وفرص التعويض
من أبرز مميزات الإصدار الخامس هو منح الطالب فرصة لاستعادة ما فقده من درجات السلوك عبر "نظام التعويض"، ذلك في إطار تعزيز الجانب التربوي وعدم الاقتصار على العقوبات فقط.
وخصصت الوزارة 100 درجة للسلوك للطلاب من الصف الثالث الابتدائي وحتى المرحلة الثانوية، وتمثل هذه الدرجات 20% من التقويم الشامل للطالب في المرحلتين المتوسطة والثانوية؛ ما يجعل الانضباط السلوكي عنصرًا مؤثرًا مباشرًا في النجاح والانتقال، مع إمكانية استعادة الدرجات المخصومة عبر الالتزام بالحضور والانضباط، والمشاركة في المبادرات التطوعية والأنشطة المدرسية، والمحافظة على ممتلكات المدرسة، وإظهار السلوك الإيجابي والتعاون مع المعلمين والزملاء، والالتزام التام بالقيم الوطنية واللباس الرسمي لفترة محددة، وتنفيذ "خطة تعديل السلوك" تحت إشراف لجنة التوجيه الطلابي.
دور الأسرة والمدرسة
أكدت اللائحة أهمية الشراكة بين المدرسة والأسرة في تعزيز السلوك الإيجابي، حيث تشمل مسؤوليات الأسرة، غرس القيم والأخلاق لدى الأبناء، ومتابعة الأداء الدراسي والسلوكي، وتوفير بيئة مناسبة للتعلم، والتعاون مع المدرسة لمعالجة المشكلات السلوكية.
وقد أتاحت الوزارة عبر تطبيق "توكلنا خدمات" وتطبيق "مدرستي" للأسرة متابعة سجل الحضور والمخالفات السلوكية لأبنائها لحظيًا، بما يعزز التدخل المبكر والشراكة الفعلية، وفي المقابل، يلتزم المعلمون والإدارات المدرسية بتطبيق الأنظمة بعدالة، وتوثيق المخالفات، وتقديم الدعم النفسي والتربوي للطلاب.
بيئة تعليمية أكثر انضباطًا
تعكس قواعد السلوك والمواظبة الجديدة توجه وزارة التعليم نحو بناء بيئة تعليمية حديثة تقوم على الانضباط والاحترام المتبادل، مع التركيز على التوعية والتقويم السلوكي بدلًا من العقوبات التقليدية فقط.
كما تؤكد الوزارة أن الهدف الأساسي من هذه القواعد هو إعداد جيل واعٍ ومنضبط يمتلك القيم والسلوكيات الإيجابية التي تسهم في خدمة المجتمع والوطن، ومن المتوقع أن يسهم التطبيق الصارم للإصدار الخامس في رفع مؤشر الانضباط المدرسي الوطني، أحد مؤشرات قياس جودة التعليم المعتمدة في المملكة.